الطفلُ المعجزة

رأيتُ في الآونة الأخيرة مشهدا يُحزن القلب ويُدمع العين وينغّص يومي هذا وأياما بعده، وإن ذلك المشهد يتجدد أمامي كلّ ماتقادم عهده ليجدّد ما أسبقتُ وكأنه يتعمدُ ذلك لغرض التنكيل بي وزيادة معاناتي أو لأمر يضمرُه في قلبه كافانا الله شرّه.

والمشهدُ لأمٍّ مفتخرة متباهية تمسك بولدها والأقوام متحلّقة من حولها معجبين متعجبين من براعة ابنها -صاحبُ التسع سنوات-بالإنجليزية، ويسألونها كيف نجحت بتعلميه اللغة الإنجليزية حتى استطاع أن يتكلّم بهذه الطلاقة وكيف وكيف وكيف.. والابن يتلّفت حوله مندهشٌ لايفقهُ مايصرخون به هوؤلاء الغرباء ليس لصغر سنه إنما هو لايعلمُ من العربية سوا اسمه واسم أمّه وأبيه وصاحبته وأخيه.

و الأمُّ ترشدهم للسبيل التي سلكتهُ ونهجها في التربية.. أثناء ذلك كنتُ واقفا بعيدا بالكاد أسمع كلامهم وأنظر إلى “الطفل المعجزة” الذي لايعرف لغته وأرى بعينه الحيْرةَ والدّهشة والرّعب ولا يُلام على هذا فإنّ الناس كانوا كثيرون وكان محطُّ اهتمامهم ومحورُ حديثهم، وهو يشدُّ على يدِ أمه أكثر فأكثر كلما توجّس خيفةً حتى أمتلئ رعبا ويده ويد أمه عرقا.

تمنيتُ في تلك اللحظة الاقتراب من الابن وموازنة رأسه برأسي بالجلوس على ركبي وأمسك بيديه ثمّ أهمسُ له بالآتي؛ أمُّك صنعت حاجزا بينك وبين حضاراتك العربية فأنت لن تعيشها فالبتالي لن تفهمها إذا قرأتها في قادم عمرك لأن الحضارة العربية وغيرها مكوّنة من عدّة ثقافات، والثقافة يتشرّبها الإنسان ويرتضعها رضعا مخالطة لحليب أمّه حتّى تسري في العروق كما يسري الدّم في جسم الإنسان يعيشُ عليه ولا يشعر به، ووعاء الثقافة العربية هي (اللغة العربية) التي جرّدتك أمُّك منها، وقد أبعدتكَ عن دينك الذي نزّل قرآنه على ما جُرّدت منه وبُعث له نبيا عربي اللغة والثقافة، وصُرفَ ولاءك منذ جهلت لغتك وعلمتَ لغة غيرك إلى غير مَن ولدت بينهم، فأصبحتْ أمُّك معولَ هدمٍ عليك جعلت تهدمك حتّى تساويت مع الأرض، وماتراه من الناس حولك يحسبون أنها تُحسن صنعا. بيد أنّ الزّحام حال بيني وبين أُمنيتي.

صراعُ النفسّ مع ذاتها

ألدُّ أعداءك وأشدّهم خطورة وأكثرهم مضرةً هي نفسك، وأقربُ صديق إليك وأعزّهم عليك وأنفعهم لك هي نفسك. إن أردت نفسك عدوةً فما عليك إلا الإنصياع لأوامرها والجريَ خلفَ أهوائها وطأطأة رأسك عند مواجهتها، وإن أردتها صديقة مطيعة لك فعليك بذلِّها وترويضها حتى تخافكَ و ضيّق عليها وقطِّع سبلها حتى لا يتبقى لها إلا سبيلًا واحدًا فستسلكه مجبرةً مهانتًا خاضعةً وذلك السبيل أنت من صنعته وهو سبيل مصادقتك فستكون لك الصديق الوفيّ وتجعل منها ما أردتَ جعله ” فتروض ذاتك ” ومَن أدركَ هذه الغاية فله الدنيا بما رحبت والأخرة بما حملت.

جهاد النفس ومواجهتها موضوعٌ طويل جداً وأضرابهُ كثيرة وسبلهُ لاتُحصى، أما السبيل الأفضل والطريق الأضمن هو تزكية النفسِ بالعمل لا بالقول، فالإنسان يبدأ بفعل الخير ما أمكن ويبتعدُ عن الشرّ ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ليست الغايةُ أن تتحولَ إلى ملاكٍ لايخطئ، بل الغاية أنت تكون إنسانًا تعدّ معاييبكَ، يقول الأول: كفى بالإنسان نُبلًا أن تعدّ معاييبه. والطريق إلى هذا القول هو مجاهدة النفس ما أمكن وعدّ المعاييب وتقليصها قدرَ الإمكان ولومِ النفس؛والله سبحانه وتعالى أقسم بالنفس اللوامة، وفي المقابل لايجوز للإنسان أن يكثرَ من لوم نفسه حتى لايصيبهُ إحباطًا يعجز من النهوض منه فيجعل من النعمة نقمة ويكون لوم نفسه عليه لا له.